محمد بن جرير الطبري

204

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا مروان بن معاوية ، عن سفيان العصفري ، عن فاتك بن فضالة ، عن أيمن بن خريم ، أن النبي ( ص ) قام خطيبا فقال : أيها أناس عدلت شهادة الزور بالشرك بالله مرتين . ثم قرأ رسول الله ( ص ) : فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور . ويجوز أن يكون مرادا به : اجتنبوا أن ترجسوا أنتم أيها الناس من الأوثان بعبادتكم إياها . فإن قال قائل : وهل من الأوثان ما ليس برجس حتى قيل : فاجتنبوا الرجس منها ؟ قيل : كلها رجس . وليس المعنى ما ذهبت إليه في ذلك ، وإنما معنى الكلام : فاجتنبوا الرجس الذي يكون من الأوثان أي عبادتها ، فالذي أمر جل ثناؤه بقوله : فاجتنبوا الرجس منها اتقاء عبادتها ، وتلك العبادة هي الرجس على ما قاله ابن عباس ومن ذكرنا قوله قبل . القول في تأويل قوله تعالى : * ( حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ) * . يقول تعالى ذكره : اجتنبوا أيها الناس عبادة الأوثان ، وقول الشرك ، مستقيمين لله على إخلاص التوحيد له ، وإفراد الطاعة والعبادة له خالصا دون الأوثان والأصنام ، غير مشركين به شيئا من دونه فإنه من يشرك بالله شيئا من دونه فمثله في بعده من الهدى وإصابة الحق وهلاكه وذهابه عن ربه ، مثل من خر من السماء فتخطفه الطير فهلك ، أو هوت به الريح في مكان سحيق ، يعني من بعيد ، من قولهم : أبعده الله وأسحقه ، وفيه لغتان : أسحقته الريح وسحقته ، ومنه قيل للنخلة الطويلة : نخلة سحوق ومنه قول الشاعر : كانت لنا جارة فأزعجها * قاذورة تسحق النوى قدما